عبد الشافى محمد عبد اللطيف
18
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
تفاصيله ودقائقه - كما اعتنت الأمة الإسلامية ؛ وذلك لسببين رئيسيين : الأول : أن هذه الحياة حياة مثالية في جميع جوانبها ومستوياتها ودراستها متعة روحية وذهنية ؛ لأن الإنسان يبحث دائما عن المثل الأعلى والقدوة الحسنة ، لعل اللّه يهديه إلى أقوم طريق وأفضل سلوك ، وليس هناك حياة وسيرة يمكن أن يتعلم منها الناس أعظم من حياة وسيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وصدق اللّه تعالى إذ يأمرنا بالاقتداء به فيقول : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] . الثاني : أن حياة وسيرة الرسول كانت موضع اهتمام الأمة وعنايتها بأحاديثه وأفعاله ومغازيه وأيامه ، وتكاد تكون كل كلمة تلفظ بها الرسول ، وكل حركة وكل فعل مرصودة من المسلمين ، ويحفظونها عن ظهر قلب ، ومدونة في صدورهم قبل أن تدون في الكتب عند بدء حركة التدوين مع نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني . * بداية التأليف في السيرة النبوية : من سنن اللّه الكونية أن كل شيء يخضع للتدرج في النشأة والتكوين ، يتساوى في ذلك الإنسان والحيوان ، والأفكار والعلوم والفنون ، فلا شيء يخلق كاملا ، أو ينشأ ناضجا مستوي التكوين ، وإنما يمر بمراحل زمنية متتابعة ، حتى يصل إلى نضجه واستوائه وكماله ، وسيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لم تشذ عن تلك القاعدة ولم تخرج عن ذلك الناموس ، فنحن نعلم أن سيرة الرسول لم تدون في حياته ، أعني أنه لم يكن من بين الكتّاب الذين كانوا يكتبون للرسول صلّى اللّه عليه وسلم الوحي وغيره - وهم كثيرون - من تخصص في تسجيل أحداث حياته صلّى اللّه عليه وسلم الخاصة والعامة ، واستمر الحال على ذلك طوال خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة ( 11 - 40 ه ) ويبدو أنه كان لذلك أسباب كثيرة من أهمها أن الرجال الذين عاصروا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وهم صحابته - رضوان اللّه عليهم جميعا - لم يكونوا في حاجة إلى تسجيل تلك الأحداث ، فهم قد عايشوها وانفعلوا بها وتفاعلوا معها بدرجة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الرسالات والدعوات الدينية ؛ فكل مشهد منطبع في ذاكرتهم ، وكل كلمة نطق بها الرسول حفظوها ، وكل عمل من أعماله معروف لديهم تمام المعرفة وبكل التفاصيل ، هذا مع ما امتازوا به من قوة الحافظة وسرعة البديهة . لم تكن الحاجة إذن تدعو لتدوين أحداث الرسول وسيرته ؛ لاستغنائهم بالمشاهدة والحفظ ولا نشغالهم بالغزوات والفتوحات ،